«البرانى».. والربانى

  • Posted on: 31 August 2025
  • By: admin2

بهاء چاهين

 

 

 

عادة ما أنفر من مصطلحات النقد الحديث، مثل «التفكيك» و«التفكيكية»؛ لكننى اليوم مضطر أن أقوم بنفسى بتفكيك نص تفنّن صاحبه فى تركيبه مستخدماً أدوات كثيرة وتقنيات عديدة، ليأتى فى النهاية بعمل محتشد بالتفانين وأسرار الصنعة، يحتاج أن يحله الناقد ويرده إلى عناصره الأولية، لكى يرى القارئ كيف كان الكاتب حاذقاً و«جواهرجياً» فى صُنعه. (وقد يستغرق هذا عدة مقالات). نتحدث عن رواية (البرانى) لأحمد وِلد إسلمُ، وهو كاتب وصحفى موريتانى، صدرت له من قبل رواية بعنوان (حياة مثقوبة)، ومجموعة قصصية بعنوان (انتظار الماضى)، ونال عن (البرانى)، الصادرة عام 2021، أرفع جائزة أدبية فى وطنه. ونستشف من صفحات الرواية حنيناً جارفاً لذلك الوطن، المهمش ثقافيا فى عالمه العربىّ، والذى مازال يحتفظ بقدر كبير من بساطة وعذوبة الحياة الربانية، البعيدة نسبياً عن هيمنة الذكاء الاصطناعى ومخلوقه المسخ الذى يُدعَى فى الرواية «البرانى» (لأسباب سنعرفها لاحقاً). ومن تفاصيل الحدث نستنتج أيضاً أن الكاتب - مثل بطله (مختور وِلد أحويبيب) - مغترب عن وطنه منذ سنين، وأنه صحفى من نوع خاص، يعمل فى مجال الفضائيات الإخبارية، وله خبرة هائلة فى مجاله، وحكمة خرج بها من سنوات عمله الطويلة، حيث الوقت يُحسب بالثانية وأحياناً بالفيمتوثانية، وهى طغيان دقائق الساعات على إنسان القرن الحادى والعشرين، ولزوم أن نرفض عبوديتنا للزمن، وأن نكسر تروس ساقية قرص الساعة الدائرى، الدائر بنا كثيرانٍ عمياء.

 

ويترك وِلد إسْلَمُ هذه المهمة لمخلوقه الأدبى (مختور)، الذى هو - ضمن أشياء أخرى أهم ستتكشّف بالتدريج - قائد ماهر لفريق العمل فى فضائية (360 نيوز نِتْوورك). ولنلاحِظ مغزى الرقم 360: فهو التعبير الكمىّ الهندسى عن الدائرة المكتملة؛ الحلقة المفرغة، التى يدور فيها الناس والوقت والأرض والكون، بما فيها هذه الفضائية التى تعمل 24 ساعة فى ساعات اليوم الأربع والعشرين، على مدار أيام الأسبوع وشهور السنة وسنوات الزمن: القرن الحادى والعشرين. مختور يقرر أن يوقف هذا الزمن، فى جزيرة افتراضية نشأت عن زلزال بحرى، واستعمرها المهاجرون من الذل فى قوارب الموت، وتصالحت المصالح العليا لسادة الأرض على أن يجعلوا منها نموذجا مثالياً لحضارة القرن الجديد، (بدلاً من أن تتقاتل الدول العظمى عليها)، وفى نفس الوقت، لكى تتخلص أوروبا وأمريكا الشمالية من مشكلة المهاجرين الفقراء الجوعى. هكذا بدأت حكاية (فيوتسيتى)، أى مدينة المستقبل)، عاصمة الجزيرة ومدينتها الوحيدة، التى مّولها الاتحاد العالمى لشركات التكنولوجيا، وجاءوا بممثل عن هيئة الأمم المتحدة ليترأس مجلسها الحاكم. مدينة باذخة قامت فجأة لتكون نموذجاً لما يمكن أن يتطوّر إليه العالم مع اطراد مرور زمان القرن الحادى والعشرين. حيث ابتكر رجل يدعى الجملودىّ، وهو كندى من أصل عربى، وعضو فيما سمّاه الكاتب «الاتحاد العالمىّ للعقول المهاجرة»، ابتكر نظاماً مالياً جديداً للجزيرة لاقى استحسان نُخبتها الحاكمة المتحكمة، وأغوى عامتها، وغازل أحلام الناس فى العالم كله، سماه نظام (باى يورسلف)، وهو ما يمكن ترجمته بصيغتين مختلفتين: إما (اشترِ نفسك.. بنفسك)، أو (كُن بمفردك.. وحدك)، وفى الحالتين هى دعوة إلى الفردية وعزلة الإنسان عن الإنسان. أمّا مبتكر النظام فسمّاه بالعربية (ادفع لنفسك)، وهو باختصار نظام يربط الأجر بالوقت الذى يستغرقه العامل فى تنفيذه، على أساس يومىّ يُحسَب بالساعات والدقائق والثوانى التى استغرقها هذا العمل، ويُدفع المقابل لكل يوم وساعة ودقيقة آلياً فى الحساب البنكىّ للموظف، فى صورة عملة رقمية جديدة استبدُلت بها عملات العالم فى النظام المالى القديم، وسَمّى الجملودىّ عملته هذه (تايم كُويْن) أو (عملة الوقت).

تبدأ أحداث الرواية بخطاب للجملودى تبثه على الهواء مباشرة كل الفضائيات -وأهمها فى الجزيرة 360 نيوز نتوورك حيث يعمل مختور - يبشر فيه أهل فيوتسيتى بأن نظامهم، الذى نال استحسان جميع البشر، اليوم تحول رسمياً إلى نظام يحكم اقتصاد العالم كله. إلا أنه للأسف - بعد إعلان البُشرى بثوان - يبث مجهول فيديو فى الفضاء الافتراضى، تكون (360 نيوز نتوورك) أول من أذاعه بناء على اقتراح مختور، ويعلن هذا الفيديو تأسيس حركة مناهضة لنظام العبودية للوقت سمت نفسها حركة (لا تبع وقتك)، ويظ

المصدر: الأهرام

نشر بتاريخ: 31-08-2025 00:24