الشاعر معصوم من الخيانة
شيخنا عمر
ليس كل من رفع صوته ناقدًا، ولا كل من لوّح برأيه حارسًا على بوابة الشعر..
فالشعر، يا سادة، ليس بيانًا سياسيًا، ولا منشورًا أيديولوجيًا يُقاس بميزان الولاء والمعارضة.. الشعر كائنٌ لغويٌّ حر، يولد من الإحساس، لا من الاصطفاف، ومن الرؤيا لا من الشعارات..
غريبٌ أمر أولئك الذين لم يكتبوا بيتًا، ولم يعرفوا عرق الكلمة، ولم يسهروا مع القصيدة حتى الفجر، ثم يتصدّرون المنابر ليحاكموا الشعراء.. يخلطون بين نقد النص ونقد الموقف، وبين جماليات اللغة وتقلبات السياسة، وكأن القصيدة متهمة يجب أن تُستجوب، لا حلمًا يُصغى إليه..
النقد فعل معرفة، لا فعل غضب..
والشعر لا يُدان لأنه لا يشبه قناعاتكم، ولا يُبرَّأ لأنه يوافقها..
من أراد أن ينتقد الشعر، فليدخل إليه من بابه: الوزن، الصورة، الإيقاع، الدلالة، التجربة.. أما أن تُختزل القصيدة في موقف سياسي، فذلك ليس نقدًا، بل مصادرة..
إلى أولئك نقول:
توقفوا..اتركوا للشعر حقه في أن يكون شعرًا، وللشاعر حقه في أن يكون شاعرًا، لا ناطقًا رسميًا ولا منشورًا عابرًا..وإن أردتم السياسة، فميادينها واسعة، أما القصيدة فمساحتها أضيق وأعمق، ولا تحتمل هذا الضجيج..الشعر لا يحتاج إلى أوصياء، بل إلى قرّاء يعرفون الفرق بين الاختلاف والإنكار، وبين النقد والتشهير..
ثم أنقل الخطاب إليكم أنتم الشعراء، إنه في بعض زوايا المشهد الشعري عندنا، يقف شاعرٌ متحفّزًا لا للنص، بل لاسمٍ آخر يلمع بقربه..
يتضايق لا لأن القصيدة أضعف، بل لأن الضوء لا يسقط عليه وحده..وكأن الشعر مقعدٌ واحد، أو نافذة ضيّقة، إن جلس عليها غيره ضاق به الهواء..ينسى هؤلاء أن الشعر بحر، لا ينقص ماؤه إن شرب منه العابرون،
وأن القصيدة لا تُسرق، بل تُولد،وأن المجد الحقيقي لا يُقتطع من الآخرين، بل يُبنى من الصدق والدهشة والاختلاف..
ما أقسى أن يخاف الشاعر من شاعر،وما أجمل أن يخاف الشاعر فقط من خيانة لغته..
أما أنا، فأحلم بعالمٍ يصبح فيه الجميع شعراء:
من يكتب، ومن لا يكتب، من ينطق القصيدة، ومن يعيشها دون حبر..أحلم بأن يتّسع القلب لكل صوت، وأن نفهم أخيرًا أن الشعر لا يمنح مكانة…بل يمنح إنسانية..
فكلما كثر الشعراء،قلّ الصمت القاسي،وكثر الجمال..
ثم إن الشاعر الذي بين أيديكم الآن محمد ولد الطالب، الأمير الأول، لم يكن يومًا معصومًا من الزلل، لكنه كان معصومًا من الخيانة؛ خيانة الإحساس، وخيانة الجمال.
