الفُتُــوّة.. ومعاييرُها المتَحوِّلة بين المشــارقة والشناقطـــة

  • Posted on: 22 December 2025
  • By: admin2

محمد الأمين السملالي

 

تحتفظ الذاكرة العربية والإسلامية لمفهوم الفتوة، بأسمى معاني الصفات الإيجابية، فهي في الإطلاق الغالب تحيل إلى كمال الأوصاف الأخلاقية في الرجل، فتنطوي تحتها كل النعوت المرغوبة، من شجاعة وكرم وبذل وتضحية.. إلخ. لكن تلك النعوت والصفات قد مرت ببعض التحولات التاريخية التي أخضعتها لتقلّب الأحوال واختلاف السياقات المكانية والزمانية، مما يجعلها جديرة بالرصد والتوقف عند مراحلها المختلفة ومعاييرها المتحولة. 
ولئن كان من المألوف في المقارنات الأدبية وغيرها، أن تكون بين المشارقة والمغاربة؛ فإننا هنا قد آثرنا المقابلة بين المشارقة والشناقطة، لأننا نعتقد -كما سيظهر من خلال البحث- أن للشناقطة بعض الخصوصية المميزة في موضوع الفتوة، في مقابل مفهومها وتحولاتها عند المشارقة.

معالجة لغوية
تعيد المعاجم اللغوية جذر (ف ت و/ي) إلى معنى الطَّراوة والشَّباب، قال الجوهري في الصحاح: "الفَتى: الشابُّ، والفتاةُ: الشابَّة"، وقال ابن فارس في (المقاييس): "الفاء والتاء والحرف المعتل: أصلانِ: أحدهما يدلُّ على طَرَاوة وجِدّة، والآخر على تبيين حكم". كما تتطرق إليه أيضاً كتب المقصور والممدود، راصدةً الفرق بين مقصوره (الفتى) أي الشاب الطّريّ، وبين ممدوده (الفتاء) وهو المصدر منه، أي: حداثة السن؛ يقول ابن مالك في همزيته: 
وهل لِفتىً من قبلُ دام فتاؤُه ** فيلهيك جيرانُ النّقا ونقاءُ؟!
ويستشهدون بقول يزيد بن ضَبّة الثقفيّ، الذي جمع المقصور والممدود في بيت واحد فقال: 
‌إذا ‌عاشَ ‌الفَتَى مائَتْينِ عامّا ** فقد ذَهَب المسرّةُ والفتاءُ
وتذكر المعاجم معانيَ أخرى للفتى، منها: الخادم التابع، والسخي الكريم، والشجاع، ومن المعاني الأخيرة يأتي مصدر "الفتوة"؛ قال الجوهري: "والفتى: السخي الكريمُ، يقال: هو فَتىً بَيِّنُ الفتوّةِ". وأغلب الظن أن هذه المعاني متأخرةٌ عن الإطلاق الأول، أطلقت من باب الاستعارة، لأن الفتى الشاب يكون مكتمل الصفات الحسية من قوة جسدية ونفسية، فنقل معنى الكمال فيه من الحسّيّ إلى المعنوي، وكذا الخادم المملوك في الغالب يكون شابا في السن، فاستعير له ذلك الإطلاق في جميع أحواله. 
على أننا في هذا المقال، إنما يهمنا في الفتوة معناها الثاني الذي تحوّل بقوة الاستعمال من مجاز إلى حقيقة عرفية تُزاحِم الأصل أو تغلِبُه، فيمكن أن نقول إن إطلاق الفتى بمعنى (كامل الأوصاف) إطلاق موغل في القدم والأصالة، وما زلنا جميعا نردد بيت الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد (نحو: 55ق.هـ): 
إذا القوم قالوا من فتىً؟ خلتُ أنني ** عنيت فلم أكسل ولم أتبلّد
فهو هنا لا يعنى فتوة السن، وإنما يريد: "إذا القوم قالوا من فتى يكفي مُهِمًّا أو يدفع شرًّا؟ خلت أنني المراد بقولهم فلم أكسل في كفاية المهم ودفع الشر ولم أتبلد فيهما".
وقد تعاور الشعراء على اقتباس هذه العبارة، فقال متمم بن نويرة:
‌إذا ‌القوم ‌قالوا: ‌مَن ‌فتًى لعظيمةٍ؟ ** فما كلُّهم يُدْعَى، ولكنّه الفَتى
وقال أبو الطمحان القيني: 
لو كان في الألْفِ مِنّا واحدٌ فدَعَوْا: ** مَنْ فارِسٌ؟ خَالَهم إيَّاهُ يَعْنونا
وقد بلغ هذا المعنى من التجذّر في الاستعمال، إلى درجة أنّ بعض اللغويين توهّم أنه هو المعنى الأصلي للفتوة، وسجّله بعضهم في كتب (لحْن العوامّ)، كما فعل ابن أيبك الصفدي في (تصحيح التصحيف وتحرير التحريف)، حيث يقول: "قال القُتَبيّ: ليس الفَتى بمعنى الشابّ والحَدَث، وإنما هو بمعنى الكامل الجَزْل من الرِّجال". وقبله الجواليقي في (التكملة والذيل على درة الغواص)، ويبدو أن مصدرهم في هذا النقل هو الإمام الأزهري في (تهذيب اللغة)، حيث نقلوا عنه بالحرف إحالته على القتيبي، وهو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدِّينَوَريّ، الذي رجعنا إلى كتابه (المسائل والأجوبة) لنكتشف أن النص المنقول عنه قد وقع فيه سقط يسير، أدى إلى هذا الوهم الكبير، الذي تتابع عليه عدد من المؤلفين، من جراء اعتمادهم على مصدر وسيط، ففي كتاب ابن قتيبة المذكور جاء النص كالتالي: 
"قولُ زُهَيرِ بنِ جَنابٍ:
مِنْ كُلِّ ما نالَ الفَتَى ** قَدْ نِلتُهُ إِلّا التَّحِيَّهْ
يُريد: مِن كلِّ ما نالَهُ الكاملُ في الشَّرَفِ من الرجالِ قد نِلتُهُ، إلّا أَنِّي لم أَصِرْ مَلِكًا أُحَيَّى بتحيّة الملوك، وليس الفتى في هذا المَوْضِعِ بمعنى الشَّابّ والحَدَثِ، وإِنَّما هو بمعنى الكاملِ الجَزْلِ من الرِّجالِ، يَدُلُّكَ على ذلك قولُ الشاعرِ:
إِنَّ الفتى حَمَّالُ كُلِّ مُلِمَّةٍ ** لَيسَ الفَتَى بِمُنَعَّمِ الشُّبّانِ
وكذلك قَوْلُ ابنِ هَرْمَةَ:
قَدْ يُدْرِكُ الشَّرَفَ الفَتَى ورِداؤُهُ ** خَلَقٌ وَجَيْبُ قميصِهِ مَرْقوعُ
وقَدْ يقولونَ للرجلِ الكاملِ: هو فَتَى الفِتْيان، قالتْ ليلى:
كأَنَّ فتى الفتيانِ توبةَ لم يُنِخْ ** قَلائِصَ يَفْحَصْنَ الحَصَى بالكَراكِرِ".

الفتوة بين الجاهلية والإسلام
بما أن هذا المعنى الأخلاقي المذكور قد استقر عند العرب، فقد أسبغوا على الفتى كل الصفات الحميدة المرغوبة، وإن كان بعض تلك الصفات قد تنزاح دلالتُها من عصر إلى عصر، فمن معايير الفتوة وعادات الفتيان عند طرفة بن العبد ما كان ملائماً للعصر الجاهلي، ولكنه مرفوض في العصر الإسلامي، مثل ما عبر عنه في قوله: 
وَلَوْلَا ‌ثَلَاثٌ ‌هُنّ من عيشَة الفَتى ** وَجَدِّكَ لم أحفِلْ متى قامَ عُوّدي
فَمِنْهُنَّ سَبْقِي العَاذِلاتِ بشَرْبةٍ ** كُميتٍ متى ما تُعلَ بالماءِ تُزْبدِ
وَكَرّي إذا نادى الْمُضافُ مُحَنَّبًا ** كَسِيدِ الغَضَا نَبَّهْتَهُ الْمُتَوَرِّدِ
وتقصيرُ يومِ الدَّجنِ والدَّجنُ مُعجِبٌ ** ببَهْكَنَةٍ تَحْتَ الطِّرَافِ الْمُعَمَّدِ
فهو هنا يستطرد عادات الفتى الجاهلي الكريم، من إكرام الضيوف بأغلى ما يملك، إلى الإسراف في شرب الخمر، ثم اهتمامه بالمغامرات النسائية. 
أما في العصر الإسلامي، فلا نجد استعمالا كثيرا للفتوة ومشتقاتها في نصوص الكتاب والسنة، لكنا نجدها مندرجة في المصطلحات الإسلامية المستجدة، من قبيل (الذين ءامنوا وعملوا الصالحات)، كما نجد الكثير من الأحاديث الشريفة التي تعيد صياغة معاني الفتوة في ضوء المفاهيم الإسلامية الجديدة؛ ولنأخذ مثالا لذلك مفهوم (الشدة والبأس)، الذي يجب أن يمتاز به الفتيان الشجعان، فهو في معناه المجرد يحيل إلى القوّة الجسمية التي تتيح التغلب على الأعداء، لكن النبي ﷺ يعيد تعريفه في السياق الإسلامي، لتحويل تلك القوة إلى النفس للسيطرة عليها وتهذيبها، حين يقول: «‌لَيْسَ ‌الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ» ، قَالُوا: مَنِ الشَّدِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ».  
وبما أن الإسلام جاء ليتمم مكارم الأخلاق، فإن المعاني الحميدة للفتوة تبقى ضمن ما حافظ عليه الإسلام من أخلاق العرب وعاداتهم، التي ضمنوها في أشعارهم وآدابهم، ومما روي عن النبي اللَّهِ ﷺ في ذلك قوله: (هَذَا ‌الشِّعْرُ ‌جزلٌ ‌مِنْ ‌كَلامِ ‌الْعَرَبِ، يُعْطَى بِهِ السَّائِلُ، وَبِهِ يُكْظَمُ الْغَيْظُ، وَبِهِ يَتَبَلَّغُ الْقَوْمُ فِي نَادِيهِمْ)؛ ففيه إشارة إلى الأخلاق التي خلدها الشعراء، من الجود والحلم والأدب، كما يُنسب إلى سيدنا عمر رضي الله عنه قوله: "‌تَعَلَّمُوا ‌الشِّعْرَ فَإِنَّ فِيهِ مَحَاسِنَ تُبْتَغَى وَمَسَاوِيَ تُنْفَى وَحِكْمَةً لِلْحُكَمَاءِ وَيَدُلُّ عَلَى مَكَارِمِ الأَخْلاقِ".

الفتوة بين الصوفية والشطار
لم يمض وقت طويل على نشأة الدولة الإسلامية وامتدادها، حتى بدأت ظاهرة الفتوة تنتقل من العموم إلى الخصوص، ومن النظر والتجريد إلى الممارسة والتقنين؛ ولا غرابة أن يكون أهل التصوف والمجاهدة هم أولى الناس بتلك المعاني والمفاهيم، فقد أشرنا آنفا إلى تهذيب الإسلام لبعض المفاهيم بصياغة جديدة تناسبه؛ ومن هنا يدخل أرباب التصوف أيضاً، لأن هتمامهم منصب على تهذيب النفوس، بتخليتها من الرذائل وتحليتها بالفضائل.
في كتابه (حلية الأولياء)، يصف أبو نعيمٍ الإمامَ الصوفي الزاهد أبا حفص عمرو بن سلمة النيسابوري (ت: 264هـ) بأنه "كان أحد المتحققين له ‌الفتوة الكاملة، والمروءة الشاملة"، ويقول في ترجمته: "اجتمع مشايخ بغداد عند أبي حفص وسألوه عن ‌الفتوة، فقال: تكلموا أنتم فإن لكم العبارة واللسان. فقال الجنيد: ‌الفتوة إسقاط الرؤية وترك النسبة. فقال أبو حفص: ما أحسن ما قلت، ولكن ‌الفتوة عندي أداء الإنصاف وترك مطالبة الإنصاف". 
وهناك أعلام من الصوفية أفردوا موضوع الفتوة بالتصنيف، مثل أبي عبد الرحمن السلمي (ت: 412ه) في كتابه (الفتوة)، ومثل عبد الكريم بن هوازن القشيري (ت: 465هـ)، الذي أفرد في (الرسالة القشيرية) بابا للفتوة، أورد فيه الكثير من تعريفات أرباب التصوف وأقطابه، ومن ذلك: "مُحَمَّد بْن عَلِيّ الترمذي: الفتوة أَن تكون خصما لربك عَلَى نفسك ويقال: الفتى من لا خصم لَهُ"، وقول الحارث المحاسبي: "الفتوة أَن تنصف ولا تنتصف وَقَالَ عَمْرو بْن عُثْمَان المكي: الفتوة حسن الخلق".
أما ابن عربي الحاتمي (ت: 638ه)، فيفرد في (فتوحاته) بابا (في معرفة مقام الفتوة وأسراره)، ويفتتحه بقوله: 
إنّ الفتوّة ما يَنفَكُّ صاحبها ** مُقَدَّماً عند ربّ النّاس والناس‏
إنّ الفَتى مَن له الإيثارُ تَحلِيةٌ ** فحيث كان فمَحمولٌ على الرّاسِ
ما أن تُزلزِله الأهــوا بِقُوّتِها ** لكونه ثابتا كالشّامخ الرّاسي‏
لا حُزنَ يَحكُمُه لا خوفَ يَشغَلُه ** عن المكارم حال الحربِ والباس‏
انْظُر إلى كَسْرِه الأصنامَ مُنفرِداً ** بلا مُعينٍ فذاك اللّيّنُ القاسي‏
يتضح من هذه السياقات أن المتصوفة قد أدرجوا الفتوة في صميم اهتمامهم، بل ربما جعلوها رديفا لمعنى التصوف نفسه، أو مقاماً من أعظم مقاماته، وربما يفسر ذلك أنهم كانوا يتناقلون للفتوة إسناداً يرفعها إلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، بوصفها معلم الفتيان وسيدهم، مصداقا للأثر الوارد عند الطبري وغيره، أنه في يوم أحد سُمع صوت هاتف يقول: 
لا سيفَ إلا ذو الفقار ** ولا فتى إلا علي
لكن هذا الانتظام والتنظيم الصوفي لظاهرة "الفتوة الدينية"، كانت تنمو بالتوازي معه "فتوّة أخرى دنيوية"، تتكون من مجموعات شبابية ترتبط فيما بينها بزمالة أو صداقة، وتجد بعضا من الفراغ يجعلها تشكل عصائبها الخاصة، التي ترفع شعار الفتوة، ولكنها في أحيان كثيراً تتداخل مع مجموعات الشّطّار والعيّارين، الذين كانوا يمثلون النسخة العباسية من ظاهرة الصعاليك الجاهلية، فهم يحاولون الظهور بالمظهر الإيجابي للفتوة، ولكنهم غالبا تميل بهم القوة والاندفاع إلى الاعتداء والسلب والنهب، فضلاً عن الاحتراب بين مجموعاتهم المتفرقة.
وقد لاحظ ابن الجوزي (ت: 597هـ) في (تلبيس إبليس) تلك المفارقة الغريبة في هذا النوع من الفتوة، ورأى أنهم ممّن لبس عليهم إبليس، فأوقعهم في التناقض، يقول ابن الجوزي: "ومِنْ هذا الفَنّ تلبيسُه على العيّارين في أخذ أموال الناس؛ فإنّهم ‌ُيسمَّوْن ‌بالفتيان، ويقولون: الفتى لا يزني ولا يكذب، ويحفظ الحرم، ولا يهتك ستر امرأة! ومع هذا لا يتحاشون من أخذ أموال الناس، وينسَون تَقَلِّيَ الأكباد على الأموال، ويسمّون طريقتهم "الفتوّة"، وربما حلف أحدهم بحق الفتوة فلم يأكل ولم يشرب، ويجعلون إلباس السّراويل للداخل في مذهبهم كإلباس الصوفية للمريد المرقَّعة، وربما يسمع أحد هؤلاء عن ابنته أو أخته كلمةَ وِزْرٍ لا تصحُّ، ورُبّما كانت من محرّض، فقتلها، ويدّعون أن هذه فُتُوّةٌ"! 

الخليفة العباسي سيد الفتيان
تولى الناصر لدين الله الخلافة العباسية سنة (575-622هـ)، وهي الفترة التي كتب فيها ابن الجوزي ملاحظاته السابقة، ويبدو أن الخليفة العباسيّ كانت لديه رؤية للاستفادة من الجانب الإيجابي عند جماعات الفتوّة، فقرر تأميم الفتوة، وجعلها تابعة له شخصيّاً، وجعل لها نظاما وآدابا خاصة، يقول ابن الساعي في حوادث سنة (604هـ): "في هذه السنة أُهدِرَت الفتوّة القديمة، وجُعِل أميرُ المؤمنين النّاصر لدين الله رضى الله عنه القِبْلَةَ في ذلك، والرجوع إليه فيه، وقد شرف عبد الجبار بالفتوة إليه، وكان شيخاً متزهداً، فدخل في ذلك الناس كافة من الخاص والعام، وسأل ملوك الأطراف الفتوة فنفذ إليهم الرسل ومن ألبسهم سراويلات الفتوة بطريق الوكالة الشريفة، وانتشر ذلك ببغداد، وتَفَتَّى الأصاغرُ إلى الأكابر".
إذن فقد صار الخليفة الناصر هو سيد الفتيان، وقرر لهم طقوسا خاصة، وإن كان بعضها موجودا من قبل؛ منها لبس ملابس تخصّهم، ومنها شرب ماء مملح على يد الشيخ الذي ينتسب الفتى على يديه، وجعل لهم رياضات يشغلون بها أوقاتهم، وكان هو نفسه يمارسها بكل اهتمام، ومنها: رياضة رمي البندق، وتربية الطيور، وألزم الولايات التابعة له بمثل ذلك؛ يقول ابن واصل الحموي صاحب (مفرج الكروب)، في حوادث سنة (607هـ): "وفى هذه السنة: وردت رسل الخليفة ‌الناصر لدين الله إلى ملوك الأطراف أن يشربوا له كأس ‌الفتوة، ويلبسوا له ‌سراويلها، ويكون انتماؤهم إليه، ورَعيّة كل ملك يشربون لذلك الملك ويلبسون له". 
ولئن كان بعض المؤرخين يرون في قرارات الخليفة العباسي نوعا من اهتماماته الغريبة التي شغل بها الناس، فإن آخرين يقرأونها بمنظور آخر، بوصفها وسيلة للاستفادة من ظاهرة الفتيان، ومحاولة لاكتسابهم إلى صف الدولة والنظام، كما هو الحال في فكرة "الكشّافة" التي ظهرت في العصر الحديث، فالهدف منها هو استغلال طاقات الشباب، وتحويلها إلى الجوانب الإيجابية.

انحراف الدلالة.. من الفتيان إلى الفتوات
من خلال التتبع التاريخي، نلاحظ أن الفتوة بمفهومها الصوفي قد انحسرت أو اختفت منذ القرن السادس أو السابع، أما "الفتوة العصابية" فقد استمرت، وتحورت بعد سقوط الخلافة العباسية، فعادَتْ سيرتَها الأولى كنظام شعبي يسد فراغ السلطة في الفترات التي تضعف فيها، وكان ازدهارها بهذا المعنى في العصر المملوكي أكثر، وقد صاحب ذلك التحوّر المعنويَّ تحوُّرٌ دلالي أيضاً؛ فصارت الفتوّة خالصةً للمعاني السلبية فقط، حيث يكون في كل حارةٍ زعيم عصابيّ يسمّى "فتوّة الحارة"، ويجمع على فُتوّات، وكأنّ المصدر تحول إلى الوصفية، على تقدير: هو ذو فتوّة.
وربما ساهمت السينما الحديثة والرواية، في ترسيخ هذا المفهوم وتأكيده، نظراً لكثرة الأعمال التي تناولت ظاهرة الفُتوّات، وحاولت من خلالها النفوذ إلى أحياء الهامش، وما يجري فيها من تناقضات ومفارقات.
وهكذا ضاع كل تاريخ الفتوة الإيجابي، واستقرت في المشرق على هذا المعنى المناقض تماما للفتوة العربية والإسلامية.

الفتوة عند الشناقطة 
عرف الشناقطة الفتوّة من دواوين الشعر العربي، التي كانوا يلهجون بها منذ الصبا، وكانوا يتمثلون ما فيها من الفضائل والمكارم دون ما سواه، ولذلك فقد بقت صورة الفتوة عندهم نقية صافية، تتمثل فيها كل السجايا الحميدة، من النجدة والشجاعة والكرم، إضافة إلى وفور الحظ من العلم والأدب، وقد تجلى اهتمامهم بالفتوة في مظاهر عديدة منها: 
من الوصف إلى الاتصاف:
كثيرا ما كان الشناقطة يصفون الرجل بأنه (فتى) أو (من الفتيان)؛ دلالة على ما يحوزه من الصفات التي يندر أن تجتمع في الفرد الواحد، ومن الأمثلة على ذلك، قول صاحب (الوسيط) في ترجمة أحمد بن أمين بن الفراء التندغي: "وكان رحمه الله جوادا ظريفا مزّاحا كثير البشاشة، يجيد ركوب الخيل والسباحة وبالجملة، فإنه من ‌فتيان وقته". قال ذلك بعدما استعرض ترجمته، وذكر من صفاته أيضاً إلمامه بالعديد من اللغات.
ولا ينسى العلامة ولد التلاميد أن يفاخر بفتوته في معلقته الباذخة، حين يقول في مطلعها: 
ألا طرقت ميٌّ فتىً مطلعَ النّجمِ ** غريباً عن الأوطان في أُمَم العُجْمِ
فتىً مِن مُصاص العُرْب قد جاء شاكياً ** تَعَدِّيَ أهل الجَورِ والظلم والهضْــم

وقد اتخذ الشناقطة من الفتوة ألقابا لأبنائهم من باب التفاؤل فسموا: (الفتى) بالتعريف، و(فتى) بالتنكير، وهو نمط من التسمية لا يعرف في البلدان العربية الأخرى. وقد صار بعض أولئك الأعلام أعلاماُ في الفتوة بحق، فطابقت فيهم الأسماء المسميات، نذكر من أبرزهم: فتى بن سيدينا العلوي، وفتى بن سيد امين الباركي، إضافة إلى أسرة العلم والأدب آل فتىً الشقرويين.

فتوة العلم والأدب:
قد تتفاوت العناصر المطلوبة لتحقيق الفتوة عند الشناقطة من منطقة إلى أخرى، لكن أبرزها وأهمها تلك العناصر المطلوبة في المجتمعات العلمية، ويأتي في مقدمتها تحصيل العلم والأدب، وخصوصا ما يتعلق بعلوم العربية، يجعل الشاعر محمدو ولد حنبل معرفة الإعراب واللغة هي العنصر الأول في الفتوة، مستبعداً كل ما سواه: 
حلْىُ الفتى إعرابه لا ماله ** ولا نجارُه ولا جماله
كلُّ فتىً شبَّ بلا إعرابِ ** فهوَّ عندي مثل الغراب
وإن رأيته لخودٍ عاشقا ** فقل لها اتّقى الغراب الناعقا
لا انتفعت بالأكل والشراب ** من آثرتْ مالا على أعراب

أما سيدنا بن الشيخ سيديا، فيفصّل في المعارف التي يتبارى فيها فتيان عصره، من الأوساط العلمية، وهو يصف بعض مجالسهم وأسمارهم: 
وكمْ سامَرْتُ سُمَّاراً فُتُوًّا ** إلى المَجْدِ انْتَموْا مِنْ مَحْتِدَيْن
حَوَوْا أدَباً على حَسَبٍ فداسُوا ** أديمَ الفَرْقدينِ بأخْمُصَيْن
أُذاكِرُ جَمْعَهُمْ ويُذَاكِرُوني ** بكلِّ تخالُفٍ في مَذْهَبين
كخُلْفِ اللّيْثِ والنُّعمانِ طَوْراً ** وخُلْفِ الأشْعرِيّ مَعَ الجُوَيني
وأوْرادِ الجُنْيدِ وفِرْقتيْهِ ** إذا وَرَدوا شَرَابَ المشْرَبين
وأقوالِ الخليل وسيبويهِ ** وأهلي كُوفةٍ والأخْفشين
نوضّحُ حَيثُ تلْتبسُ المعاني ** دَقيقَ الفرْقِ بين المعنيين
وأطواراً نميلُ لذِكرِ دارا ** وكسرى الفارسيّ وذي رُعين
ونَحوَ الستةِ الشُّعراءِ ننحُو ** ونحوَ مُهَلْهلٍ ومُرَقّشيْن
وشِعرَ الأعمييْن إذ أردنا ** وإن شئنا فشِعر الأعشيين
ونذهبُ تارةً لأبي نواسٍ ** ونذهبُ تارةً لابن الحسين
ويذهب فتى ابن سيد آمين الباركي إلى جانب آخر من عناصر الفتوة، يتعلق بتهذيب الأخلاق والالتزام الديني، فيقول -متوخياً ما أمكن من المحسّنات اللفظية-:
ما كُلُّ مَن يا فتىً يُدْعى فَتىً بِفتىً ** إن الفُتُوّة ليست بالأكاذيب
ولا بتَطييب نفسٍ غيرِ طيّبةٍ ** ولا بتهذيبها من غير تهذيبِ
ولا بتحسينِ أثوابٍ وجِدَّتِها ** كَلّا ولَيس بأكلِ الشّاء كالذّيبِ
إنّ الفُتُوّةَ في دُنياً وآخرةٍ ** سلامةُ المَرء من عارٍ وتعذيبِ
ولئن كان الشناقطة لم يعرفوا تشكيلات "الفتيان" بمعانيها التي ذكرناها سابقاً، فقد عرفوا نمطاً يناسب خصوصيتهم البدوية، وهي التشكيلات المعروفة باسم "الأعصار"؛ بمعنى الرفاق والأصحاب، حيث يشكل كل عصرٍ فريقاً ينافس الأعصار الأخرى في منافسات متنوعة، ومنها ألعاب الكرة التي كانت لها شعبيتها الكبيرة، ويمتد التنافس فيها أحياناً ليتحول إلى سجالات أدبية ماتعة.

مقارنة ختامية
بعد هذه الجولة الممتدة زمانيّاً ومكانيّاً في مفهوم الفتوّة ومغامرات الفتيان، رأينا ما كان لهذا المفهوم من قيمة أدبية وأخلاقية، ثم ما لحقه من توظيف مشوّه في بعض الأحيان، لكن ما يستحق التوقف هنا هو ذلك التميّز الشنقيطي في التعامل مع الفتوة؛ حيث وظف الشناقطة جانبها الإيجابي فقط، وسَمَوْا به إلى أقصى الغايات. وربما يرجع ذلك إلى أن الثقافة الأدبية والأخلاقية عند القوم كانت تعتمد في الأساس على الشعر العربي في عصوره الزاهية، فلم يتأثروا بالأطوار التي انحرفت فيها الفتوة في معناها أو مبناها. 
أما المفارقة في الجانب المشرقي، فتتمثل في التحول الدلالي، الذي أصاب هذه القيمة الأخلاقية في الصميم، فآلت بها الحال إلى أن استقرت على معنى اللصوصية والعنف، وانمحت منها كل معاني البسالة والنخوة والسخاء والكرم.

 

______________

نشرت هذه الماد في العدد 17 من مجلة الثقافة الموريتانية.

نشر بتاريخ: 22-12-2025 07:24