نادي فرج درويش العطار.. عندما تتحوّل الصداقة إلى شهادة، والكتاب إلى حياة
مثقف مصري يقدم تجربة إنسانية فريدة في عالم الكتب
قد نغفل في أحيان كثيرة الحديث عن الجانب الإنساني البسيط والعميق حين نتطرق إلى شخصيات ثقافية فاعلة، بينما ما يشد حتما في أي مثقف هو ذاك التكامل بين الإنساني واليومي وأفكاره وما يقدمه فكريا ومعرفيا وإبداعيا. ونادي فرج درويش العطار من أولائك الذين لا يمكنك إغفال الجانبين في الحديث عنه.
هناك أشخاص لا نلتقيهم صدفة، حتى وإن بدا اللقاء عابرًا في ظاهره. أشخاصٌ حين يدخلون حياتنا، لا يمرّون مرور الكرام، بل يتركون أثرًا يشبه العلامة الحاضرة في الورق؛ لا تُرى مباشرة، لكنها تظل هناك، شاهدة على عمق التجربة.
من هؤلاء، دون تردّد، أذكر الأخ والأستاذ نادي فرج درويش العطار، الرجل الذي لا يمكن الحديث عنه دون أن تتداخل الحكاية بالمعرفة، والذاكرة بالكتاب، والنكتة الصافية بالفكرة العميقة.
حين بدأ كل شيء
كان لقائي الأول بنادي فرج درويش العطار في باريس، سنة 1997، إن لم تخنّي الذاكرة. المناسبة كانت تنظيم معرض الكتاب العربي – الأوروبي، الذي كانت تشرف عليه مكتبة معهد العالم العربي بالتعاون مع القسم التجاري. في ذلك الزمن، لم تكن معارض الكتب مجرّد أسواق عابرة، بل فضاءات ثقافية حقيقية، تلتقي فيها النخب الفكرية والباحثون والقرّاء والفضوليون، وتؤدي في أغلب الأحيان إلى تشكيل صداقات طويلة الأمد.
لقاء نادي فرج العطار هو لقاء بمكتبة حيّة، وبإنسان صادق، وبمصر العميقة التي لا تُختصر في الشعارات
لم يكن لقائي بنادي مخطّطًا له. جاء عرضًا، كما تأتي الأمور التي تغيّر نظرتنا للأشياء. كنا في طريقنا إلى المطار، حين طُلب منّا إعداد ترجمة لعناوين الكتب المعروضة، حتى تتمكّن الجمارك من أخذ فكرة عن محتواها. بدأت أُقلّب القوائم التي أحضرها الأستاذ نادي، وبصراحة لا تخلو من تسرّع، لم أشعر بانجذاب خاص. قلت له، دون مواربة، إن هذه العناوين لا تبدو من تلك التي يبحث عنها القارئ العربي أو الباحث المهتم بالعالم العربي في أوروبا.
لم يحتجّ، ولم يدافع، ولم يدخل معي في نقاش يدافع فيه عن نفسه. بل اكتفى بابتسامة، خفيفة، وقال “خلّينا نشوف بكرة”. جملة قصيرة، لكنها كانت كافية لتؤسس لفصل جديد من الاقتراب من عالم نادي فرج العطار.
في اليوم التالي سلّمني قوائم أخرى. هذه المرة، تغيّر عندي كل شيء. بدأت أرى في الاختيارات منطقًا مختلفًا، وذائقة لا تستهدف الكثرة، بل النوع. أدركت أن الرجل لا يراهن على السوق، بل على المعرفة.
جاء يوم الافتتاح. بدأ الزوّار يتوافدون، وسألني أكثر من شخص عن مكان الكتب التراثية. كنت أجيب دون تردّد “اذهبوا إلى جناح نادي فرج العطار”. وحين تجولت بين الأجنحة، ووصلت إلى جناحه، وجدت المشهد كاشفًا: حلقة من الناس تحيط به، أسئلة تتقاطع، نقاشات تتفرّع، ضحك صادق، وشرح حيّ لا يعرف الكلل.
لم يكن يبيع الأستاذ نادي كتابًا، بل يقدّم تجربة. كان يعرف الكتاب من غلافه إلى آخر سطر فيه. يعرف مؤلفه، ومحققه، وسياقه، وقيمته، ولماذا ينبغي أن يُقرأ اليوم تحديدًا. ومع مرور الأيام، بدأت الكتب تختفي من جناحه، بينما كان غيره يفكّر في التخفيضات لتفادي إعادة الصناديق الثقيلة. هذا علاوة على أسعاره، وإن بدت مدروسة، لم تكن يومًا منفصلة عن القيمة العلمية للنص. وهو، في ذلك، يختلف عن الكثير من تجار الكتب الذين يكتفون بتداول العناوين دون معرفة حقيقية بمضامينها.
العطار لا يبيع كتابًا لم يقرأه، أو لم يعرف تاريخه، أو لم يُدرك مكانته في سياق التراث. لاسيما أن هذه العلاقة العضوية بالكتاب جعلته، مع مرور الوقت، يصبح مرجعًا موثوقًا لدى معاهد بحثية، ومكتبات جامعية، وخزائن خاصة، في العالم العربي وأوروبا وآسيا. ولم يكن غريبًا أن تصبح معظم مشاركاته في المعارض قائمة على طلبات مسبقة، يحدّد فيها الزبائن عناوين بعينها، اعتمادًا على خبرته وذائقته.
في اليوم ما قبل الأخير، كان جناحه شبه فارغ. ضحكنا طويلًا. ثم فهمت أن أغلب ما تبقّى كان محجوزًا مسبقًا بأسماء أصحابها. عندها فقط اعترفت له، وبصدق لا مجاملة فيه، أن حضوره كان عنوان تميّز، ليس فقط بسبب ندرة العناوين، بل بسبب الروح، والسعر المدروس، والقدرة الفريدة على بناء علاقات إنسانية قائمة على الثقة لا على الإقناع القسري.
العلاقة العضوية بالكتاب جعلته، مع مرور الوقت، يصبح مرجعًا موثوقًا لدى معاهد بحثية، ومكتبات جامعية، وخزائن خاصة، في العالم العربي وأوروبا وآسيا
بعد أشهر، وجدت نفسي في القاهرة، حاملاً قوائم طويلة من الكتب المطلوب اقتناؤها إلى مكتبة المعهد. استقبلني نادي بنكته المعهودة، وكأننا لم نفترق. استطعت أن أشتري منه عددًا مهمًا من الكتب، ثم دعوتُه إلى الغداء في فندق سميراميس. نظر إليّ باستغراب صادق، وقال “يا عم، أنا مش بتاع الأماكن دي… أكلها إفرنجي”.
ثم بدأ يحدثني عن مكتبة خاصة ضخمة معروضة للبيع في حي الزمالك، بشرط أن تُشترى كاملة. اعتذرت، لا لأن المكتبة لا تستحق، بل لأن مكتبة المعهد كانت تمتلك جزءًا كبيرًا من محتوياتها. هنا بالضبط، يتجلّى الفرق بين من يتعامل مع الكتاب كغنيمة، ومن يراه أمانة يجب أن تذهب إلى المكان الصحيح.
امتداد النهضة إلى الحفيد
لا يمكن الحديث عن نادي فرج العطار دون التوقّف عند جذوره. فهو حفيد الشيخ حسن العطار (1766 – 1835)، أحد أبرز أعلام النهضة الفكرية في مصر، ومن أوائل من طالبوا بإصلاح الأزهر، والانفتاح على العلوم الحديثة، في زمن كان فيه الجمود هو القاعدة.
هذا الامتداد ليس مجرّد نسب عائلي، بل رؤية فكرية متوارثة. رؤية ترى أن التراث ليس قيدًا، بل أفق. وأن العلوم الدينية لا تنفصل عن الطب، والهندسة، والرياضيات، والترجمة. لذلك لم يكن غريبًا أن يرث الحفيد هذا النفس النقدي، وهذه الجرأة الهادئة التي لا تصرخ، لكنها تقنع.
يجدر القول بأن نادي العطار اهتم بحوار الأديان، لا بوصفه موضة فكرية، بل بصفته حقلًا معرفيًا شديد التعقيد. قرأ النصوص المقدسة قراءة مقارنة، وأدرك أن الكثير من الحوارات مع الغرب لا تقوم على الندية، بل على مركزية ثقافية ترى نفسها معيارًا للحقيقة. دخل هذا المجال مسلحًا بالنص، لا بالانفعال. بالحجة، لا بالشعار. يعرف أين تكمن الفخاخ، وكيف تُفكك، وكيف يُعاد بناء الحوار على أساس معرفي صلب. لذلك لم يكن خطيبًا يثير التصفيق، بل مرجعًا يُستشار، وصوتًا هادئًا في ساحة كثيرًا ما يغلب عليها الصخب.
ومن لا يعرف نادي في المعرفة، يعرفه في الإنسانية. أذكر مرة كنت فيها مثقلًا بالمواعيد، فإذا به يفاجئني قائلاً إن الأسرة تنتظرنا. انطلقنا، ظنًا مني أننا متجهون إلى بيته في المعادي، لأجد نفسي بعد مسافة طويلة وسط عائلة زوجته، بعيدًا عن القاهرة. استُقبلت بحفاوة لا تُنسى. أطباق من كل نوع، وكل سيدة أعدّت وجبة. قالت لي زوجته مبتسمة “دي كلها ليك”.
كنت أنظر إلى الساعة بقلق، وهو يطمئنني “إنت فاكر نفسك في بلد الفرنجة؟”.
وفي طريق العودة أوقفنا فلاح مع جاموسته، وكاد يفرض علينا واجب الضيافة. قال لي نادي لاحقًا “كان ممكن يوقفنا بالعافية”. ضحكنا، لكنني فهمت أن ما حدث لم يكن طرافة عابرة، بل درسًا حيًّا في معنى الكرم، وفي عمق مصر التي لا تُرى في العناوين.
مكتبة لا تشبه المتاجر
العطار يرى أن الثقافة ليست زينة، بل سلوك حضاري يومي، وأن التراث ليس ماضيًا منتهيًا، بل مسؤولية
في مكتبته بالقاهرة لا تدخل لتشتري فقط؛ تدخل لتجلس، لتسأل، لتسمع، ولتضحك. هي ليست متجرًا، بل مجلس علم غير معلن. يأتيه زوار من أوروبا، وآسيا، والعالم العربي. يعرفون أنه لا يبيع كتابًا فحسب، بل يسلّمك مفتاح فهمه. لم يشتّت الأخ نادي نفسه في كل اتجاه.
اختار مجالات محددة، وتعمّق فيها، حتى صار مرجعًا تعتمد عليه مكتبات وخزائن كبرى. ولم يجعل من مكتبته مكانًا للبيع فقط، بل فضاءً للقاء وتبادل الأفكار، حيث يعود للكتاب دوره الطبيعي: وسيطًا للحوار لا سلعة صامتة.
لماذا أكتب عن نادي فرج العطار؟ أكتب عنه لأقدم شهادة، لأن أمثاله نادرون؛ كونهم يذكّروننا بأن الثقافة ليست زينة، بل سلوك حضاري يومي. وأن التراث ليس ماضيًا منتهيًا، بل مسؤولية ماثلة. وأن الكتاب لا يعيش على الرفوف فقط، بل في العقول التي تتعامل معه تأليفا وقراءة وبيعا، والقلوب التي تؤمن به.
وعليه، فإن لقاء نادي فرج العطار هو لقاء بمكتبة حيّة، وبإنسان صادق، وبمصر العميقة التي لا تُختصر في الشعارات. بل يمثل نادي العطار نموذجا لمثقف لم يفصل المعرفة عن الحياة، ولا التراث عن الإنسان، فصار هو نفسه كتابًا مفتوحًا، لا يملّ القارئ من العودة إليه.
أتمنى أن يظلّ المثقفون والباحثون أوفياء لكتب التراث، مشدودين إلى سحرها العتيق، يواصلون العناية بها وتحقيقها، وينفضون عنها غبار الزمن لتعود نابضة بالحياة والمعرفة.
وأرجو أن يستمر الأستاذ نادي فرج العطار في رسالته النبيلة، موقدًا جذوة الشغف، ومغريًا العقول باكتشاف نصوص تراثية جديدة، تفتح آفاق البحث الأكاديمي وتضيء دروبه بأسئلة أعمق ورؤى أوسع. مع خالص الأمنيات إلى نادي وأسرته أصدق التهاني بعام سعيد، عام يحمل في طيّاته مزيدًا من العطاء والتوفيق وازدهار الفكر والمعرفة.
كاتب جزائري
