العيد في الشعر العربي: مقاربة أدبية وثقافية

  • Posted on: 28 May 2026
  • By: admin2

 

السياق العام للدراسة

تعد الأعياد من الديانات ولواحق العبادات، ولذلك أول ابن عباس رضي الله عنهما لفظ المنسك الواردة مرتين في سورة الحج بأنها تعني العيد، وقد باشرت البشرية الاحتفال بالأعياد منذ زمن بعيد، ويُعد الفراعنة من أقدم الشعوب اهتماما بها وأكد ذلك ما جاء في سورة طه على لسان فرعون: 

(قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى).

وبعد مرور خمس مائة وألف سنة على عيد فرعون أنشأ الحواريون عيدا خاصا بهم جاء ذكره في الذكر الحكيم، من خلال حوار جرى بين الحواريين والمسيح عليه والسلام، وقد ورد مفصلا في سورة المائدة 

(قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)

أما العجم فكثيرة أعيادهم ومن أهمها النيروز و المهرجان، وأول من سن تقديم الهدايا فيهما للخلفاء في الإسلام الحجاج بن يوسف الثقفي، لكن عمر بن عبد العزيز أبطلها واستمر سريان القرار إلى أن أرسل أحمد بن يوسف الكاتب بهديته الشهيرة إلى المأمون.

يقول البحتري (ت 284هـ) مهنئا المعتضد بالنيروز، بعدما ألغى طقوس العجم المصاحبة له:

إنّ يومَ النيروز عادَ إلى العهـ
ـد الذي كان سنه أردشيرُ

أنتَ حولته إلى الحالة الأو
لى و قد كان حائراً يستدير

أما عيد المهرجان، فيحتفلون به في فصل الخريف وفي ذلك يقول الشاعر:

أحب المهرجان لأنّ فيه
سروراً للملوك ذوي السناء

وبابا للمصير إلى أوان
تفتح فيه أبواب السماء

تنقسم الأعياد العربية في الجاهلية، إلى زمانية ومكانية، فالزمانية غير موحدة، فلكل جهة من عرب الجزيرة، أيامها وبطولاتها، ومن أشهر أعيادهم انتصارهم على كسرى في ذي قار، ومعركة الصفقة، ويوم بُعاث وغيرهم أما الأعياد المكانية فيتفقون على ما كان منها كالشعائر الدينية في موسم الحج. 

ومن أقدم الشواهد الشعرية التي وقف عليها الباحث في ذكر العيد في الشعر العربي قول الحارث بن عباد البكري (ت نحو 530م)، وهو بيت يكشف عن حضور صورة العيد في الشعر الجاهلي بوصفه مناسبة جماعية ترتبط بالاحتفال واجتماع الناس وارتفاع الأصوات، كما يعكس معرفة العربي الجاهلي ببعض مظاهر الأعياد عند الجماعات الدينية الأخرى وتوظيفها في التصوير الشعري:

فكأن اليهود في يوم عيد
ضُربت فيه روقشا وطبولا

كما ورد لفظ العيد في شعر تأبط شرا،  لكن العيد الذي عناه ليس من الشعائر، بل تلك المشاعر التي تعتاد الشخص من شوق وخيال زائر.

يا عيد مالك من شوق و إيراق
ومَرِّ طيفٍ على الأهـوال طراق

يسرى على الأين والحيات محتفيا
نفسي فداؤك من سار على ساق

كانت العرب في الجاهلية شيعا متفرقين وفرقا مختلفين فاليهودية منتشرة في حمير وبني كنانة وبني الحارث بن كعب وكندة، والمجوسية في بيوتات تميم ومن أشهر معتنقيها زرارة وابنه حاجب والأقرع بن حابس وغيرهم.

 أما النصرانية فكانت في ربيعة وقضاعة والغساسنة. يقول النابغة الذبياني (ت 604 م) في مدح ملوك آل جفنة الغسانيين، وقد خص عيد الشعانين الذي يطلقون عليه اسم السباسب بالذكر في قوله:

رقاق النعال طَيِّبٌ حُجُزاَتـهُمْ
يحيون بالريحان يوم السباسب

  كما مدحهم  حسان بن ثابت  (ت 38 هـ)، ووصف في شعره بعض تحضيرات عيد الفصح:

قد دنا الفصـح فالولائد ينظمــ
ـن سـراعا أكلة التيجان

يجتبين الجادي في نقب الريـ
ـط علـيها مجاسد الكتان

ذاك مغنى من آل جفنة في الدهـ
ــر وحق تعاقب الأزمان

أما قريش الحمس فرغم أنهم أهل الحرم وسدنته إلا أن عمرو بن لحي نشر فيهم الوثنية، وفي هذا السياق فقد ذكر ابن كثير، أن عثمان بن الحويرث ونفرا من قومه، دخلوا على صنم لهم ليلة مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم، فرأوه منكبا على وجهه، فأنكروا ذلك منه وردوه إلى حاله، فلم يلبث أن انقلب مرة أخرى، فقال عثمان:

أيا صنم العيد الذي صف حوله
صناديد وفد من بعـيد ومن قرب

تنكست مغلوبا فما ذاك قل لنا
أذاك سفيه أم تنكست للعتب

فإن كان من ذنب أتينا فإننا
نـبوء بإقرار ونلوي عن الذنب

وإن كنت مغلوبا ونكـست صاغرا
فما أنت في الأوثان بالسيد الرب

وقدم صلى الله عليه وسلم المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما فقال ما هذان اليومان؟ قالوا كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا : يَوْمَ الْأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْر".

 كما وجد أيضا يهود المدينة وخيبر يخلدون يوم عاشوراء، فأمر المسلمين بالاحتفال به.

كان العرب في أعيادهم ومواسمهم يتزينون بأحسن الثياب والملابس الفاخرة والحلل والبرود الموشاة، كما يقيمون حفلات غنائية وفلكلورية يضربون فيها بالدفوف والمزاهر والكران، و يتفرجون على السَّبْق في الحلبات بين الفرسان، ولعب  الزنج والأحباش بالدرق والحراب.

 أما ألعاب فتية العرب وأصبيتهم، فمختلفة منها: الحاجورة، وعظم وضاح، والحوالس، والمفايلة، وهذه الأخيرة هي التي أشار إليها الشاعر طرفة بن العبد في معلقته بقوله:

يشق حُباب الماء حيزومها بها
 كما قسم الترب المفايل باليد

مشكلة الدراسة

تحتل الأعياد مكانة هامة في حياة الشعوب لما تمثله من أبعاد دينية واجتماعية وثقافية، وهو ما جعلها تحضر في مختلف أشكال التعبير الأدبي وخاصة الشعر بوصفه مرآةً لوجدان المجتمعات وتحولاتها. وقد تجلى حضور العيد في المدونة الشعرية العربية منذ العصور الأولى، كما وجد صداه في الشعر الموريتاني بشقيه الفصيح والشعبي حيث ارتبط بوصف الطقوس والعادات واستحضار مشاعر الفرح والحنين، وتصوير المظاهر الاجتماعية والثقافية المصاحبة لهذه المناسبة. 

وما تزال الدراسات التي تناولت العيد بوصفه موضوعاً أدبياً مستقلاً ـ في حدود ما اطلعنا عليه ـ نادرة في البحوث العربية، بينما يظل المجال الموريتاني شبه خال من الدراسات التي خصصت العيد بالبحث والتحليل.

 ولعل هذه الدراسة التي بين أيدينا تُعد أول محاولة علمية تسعى إلى تسليط الضوء على حضور العيد في الأدب الموريتاني، والكشف عن تمثلاته الفنية والاجتماعية والثقافية.

وتأسيسا على ذلك يمكن صياغة السؤال البحثي الرئيس للدراسة على النحو التالي:
 
كيف تجلّت تمثلات العيد وتحولاته الفنية والاجتماعية في الشعر العربي والموريتاني؟

أهداف الدراسة

تسعى الدراسة إلى تحقيق الأهداف الأربعة التالية:
 
الكشف عن مظاهر حضور العيد في المدونة الشعرية العربية التراثية، وبيان دلالاته الفنية والثقافية؛

دراسة الكيفية التي أسهم بها الشعر الموريتاني في تصوير العادات العيدية وتمثّلها داخل المجتمع الموريتاني؛

تتبع مسار تشكّل العيد بوصفه غرضاً شعرياً قائماً بذاته في الشعر العربي والموريتاني، ورصد أبرز ملامح هذا التحول؛

إبراز تجليات حضور العيد في كنانيش الشعراء الشناقطة، والكشف عما تعكسه من أبعاد أدبية واجتماعية وثقافية.

أهمية الدراسة

تنبع أهمية هذه الدراسة من كونها تتناول موضوعاً ظل حاضراً في الحياة الاجتماعية والثقافية والأدبية، دون أن يحظى بالعناية الكافية في الدرس الأكاديمي على الرغم من حضوره في الشعر العربي والموريتاني.

 وتكتسي هذه الدراسة أهمية علمية لكونها تسعى إلى استكشاف تمثلات العيد في المدونة الشعرية العربية التراثية والشعر الموريتاني، مع محاولة تتبع تشكل العيد بوصفه غرضاً شعرياً قائماً بذاته، وهو جانب لم ينل ـ في حدود ما اطلع عليه الباحث ـ دراسة مستقلة جامعة. 

وقد اعتمد الباحث في هذه الدراسة على استقراء عدد كبير من الدواوين الشعرية العربية والموريتانية والكنانيش الشنقيطية، وجمع جملة مفيدة من النصوص التي تناولت العيد في الشعر الفصيح والشعبي، وهو ما يمنح الدراسة قيمة توثيقية تسهم في جمع مادة أدبية ظلت متفرقة في مصادر متعددة.

كما تبرز أهمية الدراسة في سعيها إلى ربط الأدب بسياقه الاجتماعي والثقافي، والكشف عن الكيفية التي عبر بها الشعر عن العادات العيدية وتمثّلها داخل المجتمع، وما ارتبط بذلك من مظاهر الفرح والحنين والوصف الاجتماعي.

 أما من الناحية العملية، فمن المتوقع أن تسهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة في فتح آفاق جديدة أمام الباحثين والطلبة المهتمين بالدراسات الأدبية والثقافية والأنثروبولوجية، وأن تمدهم بمادة علمية يمكن البناء عليها في بحوث لاحقة تتصل بالأدب الموريتاني، والأغراض الشعرية، وتمثلات المناسبات الاجتماعية في الشعر العربي. 

كما قد تساعد هذه الدراسة في لفت الانتباه إلى أهمية الشعر الشنقيطي بوصفه مصدراً أدبياً وثقافياً جديراً بالبحث والاستقراء والتحليل.

الأسئلة الفرعية

كيف تجلّى حضور العيد في المدونة الشعرية العربية التراثية؟

كيف أسهم الشعر الموريتاني في تصوير العادات العيدية وتمثّلها؟

كيف انتقل العيد من حضور عابر إلى غرض شعري قائم بذاته في الشعر العربي والموريتاني؟

كيف تجلّى حضور العيد في كنانيش الشعراء الشناقطة؟

-
منهجية الدراسة

اعتمدت هذه الدراسة على جملة من المناهج المتكاملة التي اقتضتها طبيعة الموضوع وتنوع مادته الشعرية والتوثيقية؛ حيث استند الباحث في المرحلة الأولى إلى المنهج الاستقرائي من خلال مطالعة العديد من الدواوين الشعرية العربية والموريتانية وتتبع النصوص المرتبطة بالعيد في مظانها المختلفة، كما توسع البحث ليشمل الكنانيش الشنقيطية بما تختزنه من نصوص شعرية فصيحة وشعبية متصلة بالأعياد والعادات الاجتماعية. ولم يقتصر جمع المادة على المراجع المكتوبة بل استعان الباحث كذلك ببعض الشخصيات المرجعية المهتمة بالأدب والتراث، قصد الاستفادة مما وعته صدورهم من نصوص وروايات متداولة قد لا تكون موجودة في الدواوين المنشورة.

وبعد جمع المادة الشعرية، اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي في تصنيف النصوص وفق موضوعاتها وسياقاتها ثم استنطاقها للكشف عن تمثلات العيد وأبعاده الفنية والاجتماعية والثقافية، ورصد الكيفية التي انتقل بها من حضور عابر داخل القصيدة إلى غرض شعري ذي ملامح خاصة في بعض التجارب الأدبية العربية والموريتانية.

 كما وظف الباحث المقاربة الثقافية في ربط النصوص الشعرية بسياقاتها الاجتماعية والعادات المرتبطة بالأعياد داخل المجتمع.

محاور الدراسة 

السياق العام

المحور الأول: حضور العيد في المدونة الشعرية العربية التراثية

المحور الثاني: تمثلات العادات العيدية في الشعر الموريتاني

المحور الثالث: تشكل غرض العيد في الشعر العربي والموريتاني

المحور الرابع: حضور العيد في كنانيش الشعراء الشناقطة

النتائج والتوصيات

يعقوب بن اليدالي

نشر بتاريخ: 28-05-2026 18:40