القاهرة: صدور كتاب "العاطفة الجماعية بين الهدي القرآني والقيادة النبوية" للدكتور عبد الله محمدن أمون
صدر اليوم عن دار الإسراء بالقاهرة كتاب: "العاطفة الجماعية، بين الهدي القرآني والقيادة النبوية.. هندسة الوجدان العام من منظور إسلامي" (بحث تحليلي في ضوء النصوص الشرعية والنظريات النفسية الحديثة) للعالم والشاعر د. عبد الله محمدن أمون.
ويقع الكتاب الجديد في 300 صفحة من الحجم المتوسط.
وعبد الله أمون، الحائز على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد من أمريكا، هو شاعر لا يشق له غبار، وهو عضو اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين، وأحد أبرز مؤسسي جمعية "سدنة الحرف" الثقافية والأدبية، وله ديوان فصيح (مخطوط)، وله أول ديوان من الشعر العربي الحساني يصدر في أوروبا وهو ديوان "قلت" الصادر في لندن عام 2018، وفضلا عن ذلك يعتبر ولد أمون رائد أدب الرحلات في موريتانيا بكتابه "إقلاع" الصادر في لندن عام 2019.
وكانت دار الإسراء بالقاهرة قد أصدرت مؤخرا للدكتور عبد الله محمدن أمون كتاب "ألفية البيوع المحرمة"، وهو الكتاب الأول من نوعه.
ونشر المؤلف في صفحته على الفيسبوك لمحة عن كتاب "العاطفة الجماعية، بين الهدي القرآني والقيادة النبوية"، وكتب فيها:
"كان السؤال الذي راودني حين بدأت أفكّر في هذا الكتاب، هو: لماذا يَثبُت بعض الناس في لحظة الهلع بينما ينهار البعض الآخر؟ وكيف يتطوّر حزن أمة بعد هزيمة ما، إلى شلل تام، وجمود قاتل، في حين يتحول نفس الحزن لدى أمة أخرى إلى طاقة تنتشلها من اليأس وتسحبها إلى النهوض، وكيف تستطيع كلمة أو إشاعة أو موقف من قائد أن تغير مزاج جماعة، وربما مسارها كله
وقد قادني هذا السؤال إلى مفهوم "العاطفة الجماعية"؛ تلك المشاعر التي تتجاوز الفرد لتصبح حالة تسري في الجماعة وتؤثر في رؤيتها للأحداث وقراراتها وسلوكها. فالبشر لا تحركهم الأفكار والمصالح وحدها؛ بل إن الخوف والرجاء، والغضب والحزن، والثقة والإحباط، كلها عوامل تدخل في صناعة المواقف، ويزداد أثرها حين تنتقل من شعور فردي إلى وجدان مشترك فتكتسب قوةً هائلة تؤدي لإعادة اختراع الواقع.
ولقد حاولت في هذا الكتاب أن أنظر إلى العاطفة الجماعية، ليس بوصفها حالةً نفسية عابرة، بل بوصفها تعبيرًا عن واقع اجتماعي يَتَدخل في وعي الجماعة واختياراتها وأفعالها—ويلعب دورا حاسما في الحفاظ على تماسكها أو تسريع تفكّكها
ولفهم هذه الظاهرة بدأت في استعراض التمييز بين الشعور والانفعال والعاطفة والوجدان والمزاج؟ وكيف تنتقل العاطفة من الفرد إلى الجماعة؟ وما أثر الهوية المشتركة والذاكرة والعدوى الوجدانية والقيادة في ذلك؟ وسيرى القارئ أن العاطفة الجماعية، كما أفهمها في هذا الكتاب، ليست حاصل جمع مشاعر الأفراد، بل حالة تنشأ بينهم، ثم تعود فتؤثر فيهم وتوجه استجاباتهم للأحداث.
سيكتشف القارئ أيضا كيف أن القرآن الكريم لا ينظر إلى مشاعر الخوف والجزع والفرح والطمأنينة والأمل بوصفها مجرد أحوال نفسية عارضة، بل عناصر مؤثرة في موقف الجماعة من الابتلاء والصراع والنصر والهزيمة. وقد كان السؤال الذي رافقني في ذلك المسار هو: كيف يعيد القرآن بناء نظرة الجماعة إلى الحدث، فيمنع الخوف من أن يصير ذعرًا، والحزن من أن يتحول إلى عجز، والفرح من أن ينقلب غرورًا، ويبعث في أوقات الشدة السكينة والأمل والثبات؟
لقد وجدت في السيرة النبوية ميدانًا فسيحا لاختبار فكرة الكتاب حيث مثلت ما يمكن أن يُسمّى، وعيًا جمعيًّا حيًّا. لذلك لم أتعامل مع بدر وأحد والأحزاب والحديبية وحادثة الإفك وحنين وفتح مكة باعتبارها أحداثًا يراد إعادة سردها، بل باعتبارها لحظات كاشفة عن أحوال الجماعة وتقلب وجدانها. هناك سيجد القارئ جماعة تخاف أحيانًا، وتحزن أو تضطرب أو تفرط في الثقة أحيانًا أخرى، وسيرى كيف تعاملت القيادة النبوية مع كل حالة بما يناسبها.
وأظنّ أنّ واحدةً من أكبر الدروس التي أردتُ التركيز عليها هي أنّ القيادة لا تدير القرارات فحسب، بل تدير شكيل المعنى الذي تفهم الجماعة من خلاله ما يحدث لها. ليست المشكلة دائمًا في الحدث ذاته، بل في كيفية تلقيه وتأويله داخل المجتمع. فالواقعة الواحدة قد تُقرأ على أنها نهاية الطريق، وقد تُفهم باعتبارها كبوة يمكن تجاوزها. وبين القراءتين تتغير المشاعر، ومعها يتغير السلوك. ولهذا يصعب فصل إدارة العاطفة الجماعية عن إدارة المعنى الذي تمنحه الجماعة لأحداثها.
لقد حاولتُ تأطير هذه الرؤية من خلال وضعها في حوار مع بعض ما قدمه علم النفس الحديث حول العدوى الوجدانية، وتنظيم الانفعال، وإعادة التقييم المعرفي، والمرونة والذاكرة العاطفية والقيادة الوجدانية. لم يكن هدفي أن أبحث عن تطابق بين هذه النظريات والنصوص الإسلامية، بقدر ما كان هدفي أن أستفيد مما توفره تلك الدراسات من أدوات للفهم والتحليل، ثم أنظر فيما يلتقي منها مع الرؤية القرآنية والنبوية وفيما يفترق عنها. وسيلاحظ القارئ أن الفارق لا يتعلق بالتفسير وحده، بل بالغاية أيضًا؛ فالرؤية الإسلامية تربط تهذيب العاطفة بالتزكية والمسؤولية الأخلاقية والعدل والرحمة والعبودية لله.
إن الفكرة التي انتهيت إليها، والتي تكاد تنتظم الكتاب كله، هي أن بناء الأمة ليس شأنًا فكريًا أو سياسيًا أو تنظيميًا فحسب؛ بل إن له بعداً وجدانياً لا يقل أثرًا عن هذه الأبعاد. فجماعة تعجز عن ضبط خوفها يمكن أن تنهار أمام خطر يمكن احتماله، وأخرى يستبد بها الغضب قد تتجاوز حدود العدل، وأمة لا تعرف كيف تقرأ هزائمها قد تحملها معها زمنًا طويلًا. وحتى الذاكرة، حين تُبنى على الجراح وحدها، يمكن أن تصبح وقودًا يعيد إنتاج الصراع جيلًا بعد جيل.
وبذلك، لا يعدّ كتاب "العاطفة الجماعية" عملاً حول المشاعر بمعناها النفسي الضيق، بل هو بالأحرى تلمُّسٌ لفهم تلك القوة الخفية التي كثيرًا ما نصادف آثارها في التاريخ والواقع في الخوف والنصر والهزيمة، وفي الأزمات والفتن ولحظات التحول الكبرى. وأرجو أن ينتهي القارئ منه وهو ينظر إلى الجماعة من زاوية أوسع؛ فهي ليست أفرادًا اجتمعوا فحسب، وإنما يحمل أفرادها ذاكرة مشتركة، ويتبادلون الخوف والأمل والغضب والثقة، وقد يصنع ذلك كله قدرتهم على الصمود أو يكون أحد أسباب انهيارهم.
أسأل الله أن ينفع بهذا الجهد ويجعله خالصا لوجهه الكريم".
