سيزان ونحن: حوار حي بين المعلم وفناني الحداثة

  • Posted on: 20 September 2026
  • By: admin2

180 عملًا في باريس تستعيد مسيرة الفنان وإرثه الممتد عبر الأجيال.

 

 

 

يحتضن قصر المعارض الكبرى بباريس من 23 سبتمبر 2026 إلى 17 يناير 2027، معرضا كبيرا بعنوان "سيزان ونحن"، أين سيتم الاحتفاء بالفنان الكبير بول سيزان (1839-1906) وتأثيره الهائل والمستمر على الفن الحديث.

ويجمع المعرض ما يقرب من 180 عملًا فنيًا، منها 69 عملاً لسيزان، وأكثر من 100 عمل لفنانين مختلفين مثل بول غوغان وهنري ماتيس وبابلو بيكاسو.

سيزان نموذجًا للحداثة

يتشكل المعرض من تاريخين متوازيين: أولًا، إعادة اكتشاف سيزان وتوقير فنه تدريجيًا بعد مسيرة غاصة بالتعقيدات وأطوار تراجع شبه تام من الظهور، وثانيًا، الإرث الفني الذي جسده الرسامون والفنانون عبر الأجيال، الذين رأوا أعماله بإعجاب، واستلهموا منها، وكرروا تأويلها وأحيانًا حولوها جذريًا.

في أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر، وبينما كان سيزان يعيش في الضاحية وتوقف تقريبًا عن عرض أعماله، اكتُشف فنه في باريس في متجر «الأب تانغي»، الشهير بتوفير مستلزمات الفنانين. وقد لعب هذا الأخير دورًا أساسيًا في توسيع شهرة سيزان بين الفنانين وجامعي التحف.

 

 

لاحظ هؤلاء المتابعون جرأة في الطابع الشكلي لفنه، إذ اتسمت أعماله بالقسوة والبناء اللذين أعادا النظر في أعراف الرسم الكلاسيكي. وقد شكّل هذا الفن «النقي» مرحلة انتقالية نحو البدايات الأولى للتجريد، حيث تتقدم الأشكال الجديدة إلى الواجهة.

يسرد هذا المعرض كيف تعززت شهرة سيزان مع دعم التاجر «أمبروز فولار»، الذي نظم بين عامي 1895 و1906 عدة معارض فردية له. وأسهمت هذه الأنشطة في ترسيخ مكانة سيزان نموذجًا للحداثة، لا سيما مع اقتناء المتاحف الفرنسية لأعماله ومشاركتها في المعارض الدولية الكبرى.

رؤية أسلوبية مؤثرة

إلى ذلك، يولي المعرض اهتمامًا خاصًا لموضوع «جبل سانت فيكتوار»، بوصفه مثالًا بارزًا في أعمال سيزان وأسلوبه الفني. فبدلًا من مجرد تصوير طبيعي دقيق، يحول سيزان الجبل إلى بناء شائك، مستخدمًا الأشكال الهندسية والكتل اللونية، ومعيدًا تشكيل الواقع بطريقة مبتكرة قلبت تقاليد الرسم.

وتُعتبر هذه الرؤية الأسلوبية مصدر إلهام لا غنى عنه لحركات الطليعة في القرن العشرين، التي تساءلت عن كيفية تمثيل العالم المتغير، وراحت تبحث عن حرية جديدة في الصياغة الفنية، مستندة إلى مفهوم أن «الفن هو تناغم موازٍ للطبيعة». وقد فتح ذلك فضاءً إبداعيًا جديدًا، أصبحت فيه عناصر البناء والمجردات مفاهيم قائمة بذاتها.

ويبين المعرض أيضًا تعقيد إرث سيزان، خصوصًا في الفترة بين الحربين العالميتين، حين أُعيد النظر في عمله من زوايا وطنية ودولية مختلفة. ودخل فنانون ينتمون إلى التجريد الشاعري أو الهندسي، وأصحاب مدرسة «هارد إيدج»، مثل جوان ميتشل وبريدجيت رايلي، في حوار مع إرثه الفني، أحيانًا على نحو تنافسي وأحيانًا بوصفه امتدادًا له.

ويستمر هذا الحوار إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى مرحلة ما بعد الحداثة، حيث لا تنكمش صورة سيزان في أسطورة جامدة، بل تستمر في إثارة التساؤلات وإعادة التفسير. وقد جعل غنى أعماله وغموض موقعه بين التقليد والحداثة صورته متحركة، وأحيانًا متضاربة، لكنها دائمًا خصبة.

ويعتمد معرض «سيزان ونحن» على منهجية فريدة تمزج بين إعادة تمثيل العروض التاريخية وتقديم مقابلات مباشرة بين أعمال سيزان وأعمال الفنانين الذين جاؤوا بعده، ما يتيح للزائر تجربة قراءة تجمع بين السرد الزمني والجمالي، وتبين كيف تشكل إرث سيزان عبر الأجيال وصولًا إلى عصرنا.

وبعيدًا عن كونه معرضًا تقليديًا عن فنان عظيم، يروي هذا الحدث فصلًا من حياة فنان رفضته المؤسسات الرسمية، قبل أن يصبح اليوم أحد أعمدة الفن الحديث الغربي. وتدعو التجربة إلى تأمل أعماله ليس فقط في سياقها التاريخي، بل أيضًا من منظور الأسئلة المعاصرة حول طبيعة الرسم وعلاقته بالواقع.

هكذا يصبح معرض «سيزان ونحن» أكثر من تحية؛ إنه تكريم واحتفال حي بعمل فني يواصل الإلهام والإثارة وتغذية الإبداع. ويشير عنوان المعرض إلى الرابط الحميم بين الفنان، والفنانين الذين حملوا إرثه، والجمهور اليوم، جميعهم متحدون بنظرة مشتركة نحو الفن وتاريخه.

 

الطيب ولد العروسي

كاتب جزائري

 

 

معرض "سيزان ونحن" أكثر من تحية؛ إنه تكريم واحتفال حي بعمل فني يواصل الإلهام والإثارة وتغذية الإبداع

 معرض "سيزان ونحن" أكثر من تحية؛ إنه تكريم واحتفال حي بعمل فني يواصل الإلهام والإثارة وتغذية الإبداع
نشر بتاريخ: 20-09-2026 19:26