من أطار إلى العالمية: محطات من تجربة الكاتب الموريتاني امبارك ولد بيروك
في لقاء جمعه مساء اليوم بمجموعة من الشباب، على هامش إحدى فعاليات جمعية «إقرامعي»، استعرض الكاتب والروائي الموريتاني امبارك ولد بيروك أبرز محطات مسيرته الأدبية والإعلامية، مستعيداً بداياته الأولى في حي «كرن القصبة» بمدينة أطار، حيث تشكل وعيه المبكر بالقراءة وحب الكتاب، من خلال مكتبة الكنيسة ودار الشباب بأطار، قبل أن تتعزز هذه الصلة بالمطالعة خلال ارتياده المركز الثقافي الفرنسي بنواكشوط.
وتوقف عند الدور الذي لعبه والده، المدرس المحب للأدب الفرنسي، في توجيه اهتمامه نحو الكتب والقراءة، وإيقاظ فضوله الأدبي. وبعد حصوله على البكالوريا في نواكشوط، تابع دراسته الجامعية في القانون بالمغرب، غير أن شغفه بالصحافة والكتابة ظل حاضراً، بل سرعان ما أصبح اختياره الحقيقي.
وتحدث عن بداياته الصحفية ومحاولاته الأولى في كتابة القصة القصيرة، من خلال عموده بصحيفة «الشعب»، قبل أن يؤسس أول صحيفة مستقلة في موريتانيا، وينتقل تدريجياً من الصحافة إلى عالم الرواية، حيث وجد صوته الأدبي الخاص.
واستعرض تجربته الروائية وما حققته أعماله من انتشار، بعد ترجمة عدد منها إلى لغات أجنبية، من بينها الإنجليزية والإسبانية والألمانية والبرتغالية. وقد فتحت هذه الترجمات أمامه أبواباً واسعة للتواصل مع قراء من ثقافات مختلفة، وأصبحت رواياته مدخلاً للتعريف بموريتانيا، ليس من خلال أدبها فحسب، وإنما أيضاً من خلال جغرافيتها وتاريخها ومجتمعها وتنوعها الثقافي والأنثروبولوجي.
ومن بين الأفكار اللافتة التي طرحها خلال اللقاء، وصفه لنفسه بمصطلح Francoscribe وليس Francophone، في إشارة إلى كونه كاتباً يكتب باللغة الفرنسية دون أن تكون لغة تفكيره أو تواصله اليومي، فهي لا تسكن أحلامه، على حد تعبيره، لكنه اختارها أداة للتعبير والانفتاح على العالم، دون أن يتخلى عن هويته العربية والأفريقية أو عن انتمائه الثقافي.
وقد أشاد المتدخلون، ومن بينهم الأديب المختار السالم، والوزير السابق محمد محمود ولد جعفر، والعميد السابق للصحافة أحمد سالم المختار السالم والكاتب الصحفي ودادي ولد سيد هيبة، بالدور الريادي الذي يضطلع به امبارك ولد بيروك في التعريف بموريتانيا وثقافتها وقيمها على المستوى الدولي، معتبرين أن تجربته الأدبية تمثل جسراً للتواصل بين الثقافة الموريتانية والعالم.
ولم يخلُ اللقاء من التأكيد على قيمة القراءة والمطالعة، فقد شدد المتدخلون على أهميتهما في بناء شخصية الشباب وتوسيع مداركهم وصقل قدراتهم الفكرية واللغوية، مؤكدين أن الكتاب يظل الرفيق الأساسي لكل من يطمح إلى المعرفة والإبداع والتميز. كما دعوا الشباب إلى جعل القراءة عادة يومية، لا مجرد نشاط عابر أو استعداد للامتحانات، فالمسارات الأدبية والفكرية الكبيرة تبدأ غالباً بفضول صغير تجاه كتاب، ثم تتسع بالمثابرة والمطالعة المستمرة.
من جهتهم، عبّر الشباب المشاركون عن إعجابهم بتجربة الكاتب ومساره، وما تضمنه اللقاء من أفكار وإضاءات حول الكتابة والهوية واللغة وعلاقة الأديب ببيئته ومجتمعه.
لقد كان اللقاء مناسبة لاستحضار مسيرة كاتب انطلقت علاقته الأولى بالكتاب من مكتبة في مدينة أطار، وانتهت به رواياته إلى قراء في جهات مختلفة من العالم. وهي تجربة تؤكد أن القراءة ليست مجرد هواية، بل قد تكون بداية مسار استثنائي، وأن الكتابة، مهما تعددت لغاتها، تظل قادرة على حمل هوية المكان وذاكرة أهله إلى آفاق عالمية.
جمال محمد
