كلمة أسرة المرحومة خديجة عبد الحي في الندوة المخلدة للذكرى 21 لرحيلها

 

تلعب البرامج التلفزيونية الموجَّهة للمجتمع، دورًا هامًا في تشكيل وجهات نظر الأفراد وتأثيرهم على المجتمع بشكل عام، في سياق وظائفها التعليمية والتربوية والأخلاقية، من خلال، تعزيز التربية والتعليم. وتطوير المهارات الحياتية، وتوجيه السلوك، والأخلاق والقيم، وتعميق الوعي الاجتماعي، وتشجيع التفاعل والمشاركة، وتحفيز الإلهام بتوفير قصص وشخصيات ملهمة تحفز المشاهدين على تحقيق النجاح والتميز.

وتوفير محتوى ذي جودة عالية هو ما يخدم كل هذه العناصر، ولا نشك في أنكم في محطة المدينة، تعون بعمق هذه الوظيفة، وتعملون على تحقيقها، وتأديتها على أفضل وجه، ولعل برنامجكم هذا، يندرج في هذه الوظيفة. ونحن نهنئكم على هذا الوعي ونثمنه لديكم.

ولعل موضوع هذه الحلقة يأتي في سياق وظيفة تحفيز الإلهام بتوفير قصص وشخصيات تلهم مشاهديكم وتحفزهم على تحقيق النجاح والتميز، فهي قصة حياة فتاة ملهمة تعليما وتربية وأخلاقا، خاصة للمرأة في هذه البقعة من العالم. فتاة قدر لها أن تعيش في مرحلة تحول في حياة مجتمعها، وفي حياة المرأة فيه بصورة خاصة، فترة الانتقال من مرحلة البداوة التي قضت نِحَل معاش المجتمع  فيها: الفلاحة والرعي والصيد والغزو... أن القوة العضلية هي الفيصل في الوظيفة بين ركيزتي الأسرة؛ فهي  تعطي للرجل المنزلة الأولى على المرأة، وتجعل المرأة عيالا عليه إذا كان موجودا: أبا ثم زوجا ثم أخا، وإذا لم يكن موجودا فهي عالة على المجموعة، أما المرأة فلها إدارة البيت ورعاية الأطفال وصناعة أدوات البيت وهي تابع ثانوي في العملية الإنتاجية: القيام على المواشي، ورعاية المزروعات وادخار محصول الصيد والغزو...

هذه المرحلة تلاشت مع منتصف القرن الماضي، فبدأ المجتمع يؤسس مراكز حضرية يأوي إليها من رحلة الشتاء والصيف التي دامت في هذه البقعة من العالم، منذ أمد غير معروف، إلى هذه الفترة، وتم هذا التحول في البلد بفعل عاملين:

أولهما: تحطم وسائل الإنتاج القديمة، واستحالة استعادتها ولو تدريجيا، كما كان يحدث دائما على إثر موجات الجفاف التي تضرب الصحراء دوريا، وذلك بسبب تزامن موجة جفاف العقد السابع من القرن الماضي مع بسط الدولة نفوذها على المنطقة مما حدّ من مجال حراك البدو ومنع من الغزو والتعدي، وأدخل بدائل في طرق الكسب و نمط المعاش.

ثانيهما: أن قوة العضلات لم تعد عاملا حاسما في نِحل المعاش الحضرية، كما كانت في نِحل معاش البداوة،  بل حلت محلها أو كادت، قوة العقل والمعرفة والمهارة، وهي أمور لا تفاوت فيها بين الجنسين، بل التفاوت فيها يتعلق بالقدرات الفردية وبالجد والاجتهاد في اكتساب المعارف والمهارات، لكن المؤهلات المعرفية والمهارية تتطلب لتحصيلها، جهدا جهيدا، وزمنا طويلا، ومكانا بعيدا من البيت غالبا هو المدرسة، ومعلما يمتلك العلم والمهارة الحديثين، والمجتمع في ذلك الوقت ما زال يحمل عقلية البدوي النفور من كل شيء جديد عليه، لذلك فقلة منه هم الذين يقبلون إرسال أبنائهم الذكور إلى المدرسة، والأقل من القليل منه هم الذين يقبلون خروج البنات إلى المدرسة.

، تلك هي مرحلة التحول القلِق التي غطت العقود 7و8و9 من القرن العشرين، وهي الفترة التي عاشت فيها المرحومة خديجة عبد الحي، وسعت فيها إلى أن "تحقق وجودها" كامرأة في وسط محافظ تطمح من خلال قدراتها العقلية إلى أن تعبر عن موقفها في الحياة؛ فدرست ودرّست وكتبت ونشرت. درست معها فتيات ودرّست معها فتيات، وكتبت معها فتيات ونشرن، ولكن الكاتبات الناشرات في تلك الفترة كان عددهن أقل من أصابع اليد الواحدة، وشاء القدر أن الموت اختطفها سريعا وهي ما زالت في قمة عطائها.

هذه الريادة في الدراسة والكتابة والنشر، وهذا الاختطاف المؤسف، عملا على جعلها نموذجا لفتاة ترفّعت عن قشور حياة مدينة تآخى فيها الجمود والتفسخ، فلم يشل حركتها الجمود، ولم يستهوها بهرج التفسخ، بل استهوتها المعرفة ودفعتها إلى نقد التحجر والتفسخ واللامبالاة وانعدام المسؤولية، فسجلت اسمها في مرحلة، قليلات فيها من سجلن أسماء تصلح نماذج يقتدى بها.

 تطور المجتمع بعد ذلك بالتأكيد، ولعل عشرات الفتيات موجودات الآن في البلد، قد فقنها في إنتاج المعرفة وفي الوعي والقيم والأخلاق، لكنها تبقى نموذجا بارزا في وقتها، وهي امرأة والمرأة أمّ، و"الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق"، وإذا أهملتها أعددت شعبا من السوقة عديمي الضمير، ذلك في رأينا ما يسوغ تخليد ذكرى المرحومة خديجة، واستمرار حضورها.

 هل حقا تم تجاوز مرحلة التحول القلِق من البداوة إلى مجتمع حضري: المرأة فيه: شريك واع، قدراته وقدرات شريكه هي التي تحدد منزلة كل منهما ودوره في الشراكة؟ ولم تعد المرأة "عيالا على أبي مثواها"؟ الجواب مفتوح...

لكن أغلب الظن أن للقدرات الذهنية الدور البارز في تحديد منزلة الفرد في مجتمع المستقبل، وأغلب الظن أن القدرات الذهنية العلمية والمعرفية والمهارية، لا تميز بين الجنسين، بل هي قدرات فردية تنمو بالتعلم والتدريب، ولا فضل فيها للرجل على المرأة، ولا للمرأة على الرجل. كما نعرفه بالتجربة والممارسة الطويلة، نحن المعلمين في المؤسسات الجامعية التي هي مصانع الأفراد في هذا العصر؛ فهل ستبقى هناك عوامل أخرى تعمل على بقاء التمايز والمنازل على ما كانت عليه، وتشل طموح المرأة، في أن تتحمل المسؤولية التي تضمن لها الحرية الاجتماعية التي تتوق إليها؟ والمسؤولية والحرية فرسا رهان، لا وجود لأي منهما دون الأخرى.

                                                                                                                                               عن الأسرة أد. محمد عبد الحي